الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

154

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تعالى : قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ في سورة آل عمران . والإثم العظيم : الفاحشة الشديدة . [ 49 ، 50 ] [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 49 إلى 50 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ( 49 ) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً ( 50 ) تعجيب من حال اليهود إذ يقولون نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] وقالوا : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً [ البقرة : 111 ] ونحو ذلك من إدلالهم الكاذب . وقوله : بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ إبطال لمعتقدهم بإثبات ضدّه ، وهو أنّ التزكية شهادة من اللّه ، ولا ينفع أحدا أن يزكّي نفسه . وفي تصدير الجملة ب ( بل ) تصريح بإبطال تزكيتهم . وأنّ الذين زكّوا أنفسهم لا حظّ لهم في تزكية اللّه ، وأنّهم ليسوا ممّن يشاء اللّه تزكيته ، ولو لم يذكر ( بل ) فقيل و اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ لكان لهم مطمع أن يكونوا ممّن زكّاه اللّه تعالى . ومعنى وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا أي أنّ اللّه لم يحرمهم ما هم به أحرياء ، وأنّ تزكية اللّه غيرهم لا تعدّ ظلما لهم لأنّ اللّه يقول الحقّ وهو يهدي السبيل ولا يظلم أحدا . والفتيل : شبه خيط في شقّ نواة التمرة . وقد شاع استعارته للقلّة إذ هو لا ينتفع به ولا له مرأى واضح . وانتصب فَتِيلًا على النيابة عن المفعول المطلق ، لأنّه على معنى التشبيه ، إذ التقدير : ظلما كالفتيل ، أي بقدره ، فحذفت أداة التشبيه ، وهو كقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [ النساء : 40 ] . وقوله : انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ جعل افتراءهم الكذب ، لشدّة تحقّق وقوعه ، كأنّه أمر مرئيّ ينظره الناس بأعينهم ، وإنّما هو ممّا يسمع ويعقل ، وكلمة وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً نهاية في بلوغه غاية الإثم كما يؤذن به تركيب ( كفى به كذا ) ، وقد تقدّم القول في ( كفى ) عند قوله آنفا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً [ الفتح : 28 ] . [ 51 ، 52 ] [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 51 إلى 52 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً ( 51 ) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ( 52 )